حيدر حب الله
79
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
وربما لهذا كلّه ولتكامل نفوسهم لا تتناقض رغباتهم ، فكثيرون يسألون : ماذا لو أراد مؤمنٌ شيئاً في الجنّة وأراد الآخر عدم هذا الشيء ، فزيد أراد أن توجد شجرة هنا وعمرو أراد أن لا توجد شجرة هنا ؟ إنّ نفوس المؤمنين لا تتناقض ، لأنّها تتكامل هناك ويرتفع التناقض ويحلّ الانسجام بين أفراد مجتمع الجنّة ، هذا هو ما تقدّمه الصورة الدينية عن الجنّة ( نعم للعرفاء تفسيرٌ آخر لجمع المتناقضات في الآخرة لا نخوض فيه الساعة ) . ولنلاحظ آيةً أخرى ، تشير إلى الكأس التي يحصل عليها المؤمنون في الجنّة ، إنّها توصف بقوله تعالى : ( يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ ) ( الصافات : 45 - 47 ) ، فالآية تريد أن تؤكّد أنّ ما يشربه المؤمنون من الكؤوس هناك لا علاقة له بالسكر ولا بذهاب العقل ولا بفساد الجسد . لو سألنا أنفسنا : لماذا هذه الإشارة ؟ وما المشكلة لو كانوا يسكرون ويشربون الخمر ويفقدون عقولهم ما دام لا تكليف في الجنّة ؟ إنّ الاحتمال الأقرب هنا أنّ الآية تريد أن تشير إلى أنّه ليس كلّ الملذات يقوم بها المؤمن في الجنّة ، إنّ المؤمنين يحظون بتلك الملذات التي لا تفسدهم ، لا أنّهم ينالون كلّ لذّة ، وليس ذلك لتحريم هذه الملذات عليهم ، بل لأنّهم لا يريدونها ، فالله قال : ( ادْخُلُوها بِسَلامٍ ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَلَدَيْنا مَزِيدٌ ) ( ق : 34 - 35 ) ، فلهم ما يشاؤون وفي نفس الوقت يشير إلى عدم وجود ذهاب للعقل فيما يشربونه ، وإذا التقى هذان المفهومان صارت النتيجة أنّ المؤمنين في الجنّة لا يطلبون - لكمال نفوسهم وعقولهم - إلا ما هو الخير والحسن ، فعدم وجود تكليف في ذلك العالم لا يعني فعل أيّ شيء ، بل يعني بلوغ النظام النفسي